تُعد مسيرة الشيخ سليمان الراجحي التجسيد الأبرز لـ«العصامية اللوجستية والمالية»: نجاح عقلية تجارية فطرية في هيكلة ومأسسة قطاع الصيرفة وتحويله إلى أكبر كيان مصرفي إسلامي في العالم، ثم اجتراح استراتيجية فريدة لإدارة «تصفير الثروة الاختياري».

البداية من تحت الصفر

بدأ حياته في القصيم ثم الرياض في ظروف شحيحة قبل الطفرة النفطية. عمل حمالاً وطباخاً وعامل نظافة وبائع كيروسين وصبي دكان.

لكنه اكتسب باكراً أثمن رأس مال في عالم المال، وهو السمعة والوثوقية؛ فكان التجار يأتمنونه على نقل أموالهم مشياً بين المدن.

نقطة التحول: الطفرة النفطية وهندسة التحويلات

مع تدفق الثروة النفطية والعمالة الوافدة، التقط مع شقيقه صالح ثغرة ضخمة: الحاجة لتبديل العملات وتحويل الأموال. وقامت استراتيجيته على بناء شبكة صرافة بديلة للبنوك الغربية، ترتكز على:

  • الانتشار الجغرافي الأفقي: دكاكين صرافة في أماكن تجمع العمال.
  • السرعة في الخدمة التي عجزت عنها القنوات الرسمية البطيئة.
  • الربط اليدوي المعتمد على شبكة ثقة عائلية تضمن وصول الأموال دون أوراق معقدة.

آليات قفز الثروة

  • مأسسة الكيان وتحويله لأكبر مصرف إسلامي: في الثمانينيات دمج أنشطة الصرافة في شركة مساهمة، ثم انتزع ترخيصاً لتحويلها إلى مصرف الراجحي وفق الشريعة، فجذب كتلة ودائع هائلة من المحافظين بتكلفة شبه صفرية، وحقق هوامش قياسية عبر المرابحة والتمويل.
  • التنوع القطاعي والأمن الغذائي: وجّه السيولة إلى الاقتصاد الحقيقي، فأسس «دواجن الوطنية» (أكبر مشروع دواجن في الشرق الأوسط) بالتحكم في كامل سلسلة الإمداد، إضافة إلى مشاريع زراعية كبرى للتمور والأغذية.

الاستراتيجية الختامية: الهندسة العبقرية لتفكيك الثروة

بدلاً من ترك الثروة لتتفتت بعده، قام وهو حيّ بأكبر عملية توزيع تركة وأضخم وقف خيري، قسّم خلالها ثروته إلى جزأين:

  • جزء وزّعه على أبنائه وزوجاته كتركة شرعية تضمن استقرار أعمالهم.
  • الجزء الأكبر (مليارات الدولارات) نقله إلى «أوقاف سليمان الراجحي» التي تُدار بفكر مؤسسي، ويذهب ريعها للعمل الخيري والتنموي من جامعات ومستشفيات ورعاية مجتمعية.